الانتشار الفني - محلي ← لبنان

  • الدين والدنيا في شعر ''شاعر الفيحاء'' سابا زريق

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2019/01/IMG_2614-Copy-300x200.jpg

ألقى الدكتور سابا زريق أمسية شعرية في صالون فضيلة فتال الادبي في طرابلس تحت عنوان "الدين والدنيا في شعر شاعر الفيحاء سابا زريق".

 

وقال زريق مفتتحا الأمسية: "سأنكث بوعدٍ كنتُ قد قطعتُهُ لنفسي، الا وهو عدم خوض مثل تلك المواضيع، خِشية ادراجِ اسمي في قائمةِ المُحابين من ابناءِ طائفةٍ ما، غالباً ما يحاولونَ التعبيرَ عن تقارُبِهم من ابناءِ طائفةٍ أخرى عن طريقِ الاستشهادِ بألفِ مأثُرةٍ تاريخيةٍ ومأثُرة. الكُلُّ يُدرِكُ مدى الشرخِ الطائفي الذي أمعَنَ بعضُ السياسيين وكذلك بعضُ رجالِ الدينِ في تأجيجِ نيرانِه على مدى عقودٍ من الزمَن. فأصاب العداءُ ليس فقط ابناءَ الوطنِ الواحدِ بل تعدّى ذلك الى أبناءِ الطائفةِ الواحدة.

نعم، انا اليومَ أخالِفُ نفسي، غيرَ أَني وجدْتُ في شِعر شاعرِ الفيحاء ابياتاً جميلة ومعبرة، واكثرَ من ذلك كلِّهِ، ابياتاً صادقةً عن الروحِ الساميةِ المُشترَكةِ التي تَجْمَعُنا. ووجدْتُ في الفُرصةِ التي تُتيحُها مُضيفتُنا لي مناسبةً لاستحضارِ هذه الروح على لسانِ وقَلَمِ واحدٍ من كُثُرٍ فَقَهوا معنى وجوهرَ الديانتين الاسلامية والمسيحية".

 

فمن اجلِ هؤلاء، اعددتُ لمسامِعِكُم الدينُ والدنيا في شِعرِ شاعرِ الفيحاء سابا زريق.

 

متى أعيشُ وجاري ليسَ يعلمُ أنْ لمسلمٍ هُوَ جــارٌ أمْ لنصرانـــــــــي؟

 

متى أرى النسبَ القوميّ رابطةً

 

أَقوى على الدهرِ من أركان ثهلانِ؟

 

متى تثوبُ الى الرحمن طائفةٌ تجـني بتفسير إنجيـل وقرآن؟

 

وتناول زريق نظرة "شاعر الفيحاء" الى الدينِ والدُنيا من زاويتين: الاولى، واقعُ الدينِ في الدُنيا والثانية، مُرتجى الدينِ من الدُنيا قائلاً: "ان واقعَ الدين في دُنيانا، مُزرٍ الى ابعدِ الحدود. وما كان يَصِحُّ في أيامِ شاعِرِ الفيحاء، عند تذمُرِهِ من الجَفاءِ المُتناهي، إن لم نَقُلِ الخِلافاتِ والنِزاعاتِ، بين المسيحيين والمسلمين، يَصِحُّ اليومَ كذلك، بعد ان اسْتَفْحَلَ التباعدُ واكتسَبَ بُعداً أليماً جديداً بِتَسَلُّلِ شرِّ المذهبيةِ الى أبناءِ الدينِ الواحِد. وأرى من خلالِ تَماسِي مع كل فئاتِ المجتمعِ الطَرابُلسي الضيق واللبناني الاوسع، أن التعصبَ المتغَلغِلَ في نفوسِ مواطنيه هو سببُ الويلاتِ والنوائبِ التي تآكل الوطنُ بسبَبِها، مما ادى الى نزاعاتٍ وتناحُرٍ مخيفين". ورأى الشاعرفي التَعصُّبِ سُمّاً زُعافاً، يُعلُ الوطنَ، ووصَفَ له دواءً ناجعاً الا وهو العِلم. فهو الكفيلُ بانتشالِ شبابِنا من جَهلِهِم، ففي المعرفةِ والتثقيفِ نورٌ يُضيءُ دروبَهم ويقرِّبُهم من بعضهم.

 

ومـن الـتـعـصـب كلُّ سُـمٍّ نـاقـع داءانِ لا يشفي ويُنقذُ منهما ومــن الـتـــنـاحر ما يُعلُّ ويُسقِـمُ إلا الشبابُ الناهضُ المتعلّمُ .

 

وتابع زريق " اما شاعرُنا، المؤمنُ الحَساس، فهو يأبى أن يُتَّهَمَ الدينُ، أو أن يُعتَبرَ أنه السببُ الكامنُ وراءَ  وراءَ المعاصي التي يرتكبُها بعضُ ابناء الطائفيةِ او مثيرو التعصبِ الاعمى. فهو اضحى ضحيةً ليس الا، على مذبحِ المتجنين عليه والمتاجرين به". وتساءل "من يتجنى على الاديان؟ ومن يستعملُها مطيةً لبلوغ مآربَ هي ابعدُ ما تكون عن جوهَرِها؟ إن كان جُلُّ رجالِ الدينِ براءً من ذلك، أتصِحُّ التُهمةُ عند البعض القليلِ منهم؟ وعند مدَّعي التديُّن وممارسي الشعائر الدينية من رجالِ الدنيا المُرائين؟".

 

وقال زريق بعد ان يَسقُطَ الدينُ صريعاً على يدِ المنافقين، يبدأُ الجُناةُ بالمتاجَرَةِ بالايمان. وقد ارتدَتْ هذه المتاجرةُ في عصرِنا هذا وجوهاً عديدة، اذْ يتِمُّ إذكاءُ الطائفيةِ والمذهبيةِ بحشدِ وتجنيدِ وتجييشِ البشرِ باسمِ الدين، ودفعِهِم الى الموتِ " صوناً " له، كما لو ان مصيرَ هذه المغامرات ليس الفشلُ المحتوم:

 

يا من يتاجرُ بالايمانِ مُغتبِطاً تذكيرَ نصحٍ وعهدي لست بالناسي

 

تلك التجارةُ قد ساءت عواقِبُها

 

وجُلُّها الدهرَ موصولٌ بإفلاسِ

 

وتحدث زريق في مرتجى الدين من الدنيا في فكر "شاعر الفيحاء" فقال أن "اهلُ الكُتُبِ المُنزَلةِ، في الدين وجهاً لخالقِهِم، الله الواحد الاحد، والحقيقةَ المُطلَقة، وكلٌّ منهم يَتلمسُ نورَهُ من زاويةٍ، غير أنهم كُلُهم يلتقون على قواسم جامعة:

 

والديـنُ وجهُ اللهِ شَـرَّقَ طالباً أَنوارَه قَـومٌ وقَومٌ غرَّبُوا

 

فتناكروا في حبِّه وتخاصَمُوا

 

وتشـدَّدوا في وصْلِـهِ وتعصَّبُوا

 

وهي الحقيقـةُ حرّةٌ وضَّاحةٌ

 

لكنّها في ظلِّهم تتحجَّبُ

 

وتابع :"حَسْبُ المؤمنُ الذي يتطلَّعُ الى خالقِهِ ان يرى ذلك الوجهَ الذي يراهُ المؤمنون الآخرون بالبهاءِ نفسه، ليكتشفوا من ذلك مدى قُربِهِم من بعضهم ومدى تأثيرِ ذلك النور على حياتِهِم، شاؤوا ام أبوا. اما الدينُ في التعاملِ بين البشر، فلا يصِحُّ الا ان يُبنى على التقارب والإخاء والتآخي. مما يقضي ان يواسيَ الانسانُ اخيه الانسانَ عندما تلُمُ به نائبةٌ:

 

فالناسُ عائلةٌ يؤلف بينهم أصلٌ، نَمَت من طينةٍ ذرَّاتهُ

 

فاذا بكى في نجوةٍ باكٍ جَرَت

 

من آخرٍ فـي نجوة عبراتُهُ

 

الديـنُ لا يسطيعُ ربطَ قلوبهـم

 

بـسـوى الإخاء متيـنـةٌ حلقاتُـه

 

وطنٌ اذا لم يـعـتـنِـقْ ديـنَ الـعـلـى

 

لا تـهـتدي يـوماً اليه حياتُـهُ

 

سـيـظلُّ يرسُــفُ فـي القـيـودِ مـكـبَّـلاً حتى توحّدُ في الإِخـاءِ صلاتُـهُ"

 

وختم زريق بدعوة "شاعر الفيحاء" منصبا نفسه  ناطقاً باسم المسيحيين، لا بل باسم المسيحية، للتلاقي مع اخوانه المسلمين والاتحاد معهم لتشكيل قوةٍ لا تقهر:

 

هذي يدي للـمـسلمـيـن أمدُّها باسم النصارى هازجاً أتـرنَّـمُ

 

المـخـلصـيـنَ الـودَّ إِن هم أخلصوا

 

المقـسميـن علـى الـوفا إِن أَقسموا

 

رُكنانِ ، حولٌ لا يقومُ عليهِما

 

متسانِدَينِ وإِن علا متهدِّمُ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *