الانتشار اللبناني - محليات ← لبنان

  • دريان: وطننا لبنان لا يحكم إلا بالتوافق والتعاون

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2018/05/دريان-عبداللطيف-300x158.jpg

وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة الى اللبنانيين، بمناسبة شهر رمضان المبارك، نصت على الاتي: "الحمد لله الذي شرع لعباده الصيام، لتهذيب نفوسهم وتطهيرهم من الآثام، أحمده تعالى وهو المستحق للحمد، وأشكره على نعمه التي تزيد عن العد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أتقى من صلى وصام وحج واعتمر، وأطاع ربه في السر والجهر، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه وتمسك بسنته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

 

وبعد، يقول المولى تعالى في محكم تنزيله: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". صدق الله العظيم.

 

أيها المسلمون، يقدم علينا شهر رمضان كل عام خير مقدم. فالصوم فريضة في القرآن، بمقتضى قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". وهو عمل رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، وحبه وأداؤه للطاعات، يدل على ذلك كثرة أحاديثه في الحث على أداء الفريضة، وفي تبيان الفضائل الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية لرمضان وصومه. وإذا كانت الصلاة عماد الدين، والحج موطن اجتماع جماعة المسلمين، فإن الصوم- فضلا عن كونه عبادة رئيسة في الإسلام والأديان، فقد صار علما على الإسلام في العالم".

 

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون، وسط الزحام المتكاثر من الهموم والأحداث، يعود رمضان وصومه إلى حياتنا، تقويما وإخباتا، وتذكيرا ونصرة لجانب الخير في نفس المسلم. يقول الله سبحانه وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". وهذا التأكيد دليل على أن الصوم هو جزء جوهري من عبادة الله في كل رسالات التوحيد، وقد جاء ذلك في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به). فمن جهة يقول القرآن: "لعلكم تتقون"، أي تبلغون أعلى درجات التقوى، فتفوزون بالفلاح والسعادة الدنيوية والأخروية، ومن ناحية أخرى، يكون اختصاص الصوم، بأن الجزاء على أدائه وإنجازه من الله وحده، ولا شرف أعظم من ذلك".

 

لماذا هذا الإعزاز الإلهي للصوم، واعتباره ركنا من أركان الدين؟ كل العبادات الدينية، تتناول تهذيب النفس والجسد، وبخاصة، الصلاة والصوم والزكاة والحج . فالواضح أن الصوم الذي يعني الإمساك عن الطعام والشراب، وعن انفلات اللسان والخصومات، والإقبال على العبادة والذكر وقراءة القرآن، والزكاة والتصدق؛ كل ذلك يضع المؤمن على طريق السلامة طوال العام، نتيجة التدريب القاسي بعض الشيء ، الذي فرضه الله على المسلم لخيره وفلاحه.

 

أيها المسلمون، إن كان الأجر على قدر المشقة، والامتناع عن الأكل والشرب فيه مشقة، لأنه بخلاف العادة، وما يتطلبه الجسد، لكنه أيضا تجربة وتدريب على الانضباط، ليس جسديا فقط، بل من الناحية النفسية والروحية أيضا. وإلى الانضباط الضروري للبقاء والحياة الفردية والاجتماعية، وهناك الصحة؛ إذ إن الإقلال من الطعام يأتي بالصحة، وكثيرا ما زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثرة الطعام في كل الظروف، في مثل قوله: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه).

 

وقد كان من سنة المسلمين الأوائل، أداء الزكاة في رمضان. وهي سنة حميدة لأسباب عدة، أولها: تقديم العبادات في الاعتبار، بالمزيد من الصلوات في رمضان، والصوم في رمضان، وأداء الزكاة في رمضان، ومن تلك الأسباب: تقديم اعتبارات التواصل بين الناس بهذا الأسلوب التضامني والحضاري. فالزكاة هي حق معلوم للسائل والمحروم، وإيصالها في رمضان تزكية لمال المؤدي ونفسه، وتزكية لنفس المؤدى إليه ، ورحمة وصلة بين الناس. ويضاف لذلك الصدقات التي تحسن في كل آن. إن مجتمع المسلمين هو مجتمع كفاية وكفالة وتضامن، وما آمن من بات شبعانا وجاره جائع. وهكذا؛ فإن الوظائف التعبدية للصوم، ليست إعادة تكوين لحياة الفرد وحسب؛ بل هي إعادة تكوين أيضا لحياة الجماعة من المقتدرين ومن الفقراء.

 

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون، لدينا في رمضان الإقبال على العبادات وعلى العمل الصالح، ولدينا الانضباط الجسدي والنفسي، ولدينا الإقبال على الإنفاق من خلال الزكاة والصدقات، وقد قال الله سبحانه وتعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون". لقد شاع في الأدبيات الرمضانية، بسبب هذه الممارسات، اعتبار رمضان شهر الخير والتضامن، ولا أكتمكم القول: إن الظروف الاقتصادية الصعبة في السنوات الأخيرة، قد نالت بقسوتها من المؤسسات التعليمية والصحية والخيرية في مجتمعنا، بحيث أثر ذلك في انتظامها وقدراتها على أداء خدماتها بطرائق مرضية. وفي المقابل، أو بالتوازي، تزداد الحاجة ويزداد الفقر، وتبدو آثار ذلك في مدارسنا التي يكثر التسرب منها، وفي شوارعنا التي تغص بالسائلين من السوريين واللبنانيين. وهكذا فنحن بحاجة في رمضان الخير، إلى تجاوز شح النفس، وأن تعتبر نفسك أيها المقتدر من أصحاب اليد العليا بدءا بأقاربك، وانتهاء بالمجتمع الأوسع.

 

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون، ونحن خارجون من انتخابات نيابية، زادت من النزاعات بين الناس، وأنتجت حالات من القطيعة والمماحكات التي لا ينبغي أن تبقى، لأنها تثير الأحقاد، وتحبط إمكانات التعاون، واستعادة المودة بين الناس. لقد نجح من نجح، وعلى الجميع التوجه للخدمة الوطنية، ولتشكيل حكومة قادرة على أداء الخدمات للمواطنين، وإنفاذ المشروع النهضوي الإصلاحي، الذي على أساسه انعقدت المؤتمرات الدولية لمساعدة لبنان.

 

أيها اللبنانيون، إن وطننا لبنان، لا يحكم إلا بالتوافق والتعاون. ومهما اختلفت الرؤى السياسية، فإن مستقبل لبنان الواعد، هو ما يجب النظر إليه، والعمل له، ولا يمكن مطلقا أن يساس لبنان بمنطق الرابح والخاسر، ففي النهاية، لا يربح إلا لبنان، ولا ينتصر إلا لبنان، وبربحه يربح اللبنانيون كل اللبنانيين.. وبخسارته، يكون مآل كل اللبنانيين، إلى الخسران المبين.

 

إننا، ومن دار الفتوى، ندعو القوى السياسية جميعا، إلى التعالي وتغليب المصلحة الوطنية على ما دونها، في ظل الوضع الإقليمي والدولي المتأزم . ولبنان يستحق منا جميعا التنازلات المتبادلة، لبناء الدولة على أسس متينة، لا تشوبها شائبة، فلبنان لا يستطيع أن يتحمل تداعيات التجاذبات الإقليمية والدولية التي بدأت تظهر في أكثر من بلد في شرقنا العربي والإسلامي.

 

ونحن من موقعنا الديني، نأمل من المواقع الدينية الأخرى، أن تتلاقى وتدعم مسيرة نهوض الدولة ومؤسساتها، التي هي بحاجة إلى المزيد من المنعة والقوة، على قاعدة: يد الله مع الجماعة.

 

أيها المسلمون، أيها المواطنون، في الإسراء والمعراج، تحدثنا عن فلسطين. وفي رمضان ، ينبغي أن نتحدث عن فلسطين، وعن القدس والأقصى، فهذه الأماكن المقدسة والعزيزة على قلوب المسيحيين والمسلمين، تتعرض بعد الاحتلال والاغتصاب لتغيير الهوية، وفقد المعنى، وها هم الصهاينة، يريدون جعل القدس عاصمة للكيان الصهيوني الغاشم.

 

إن الواجب هو التضامن مع فلسطين وشعبها العربي، ومع القدس وأهلها، والمسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، وصحيح أن القدس ومساجدها وكنائسها هي حق للعرب لا شك فيه. لكن حتى الحق لا بد من أن يتجدد استحقاقه بالنضال، وبعدم التسليم. ينبغي أن يظل واضحا، أننا لن نقبل استعمار القدس، ولا استعمار فلسطين، أيا تكن وسائل القهر والإرغام.

 

إن الله سبحانه وتعالى أمر بأن تقوم علاقات المسلمين مع كل العالم، على البر والقسط إلا في حالتين: اضطهادنا في ديننا، ومقاتلتنا عليه، والإخراج من الديار، قال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"، والصهاينة يرتكبون الأمرين: قتالنا على مساجدنا وأوقافنا، وتهجير أهل فلسطين والقدس منها.

 

أيها المسلمون، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الشهر الفضيل بينة للخير والسكينة، وأن يوفقنا جميعا لأداء عباداتنا على الوجه المرضي والمقبول من جانبه تعالى، متبعين في ذلك أمره عز وجل: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، اللهم إنا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.

 

كل رمضان وأنتم بخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

 

من ناحية أخرى، تلقى دريان اتصالات مهنئة بشهر رمضان المبارك من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري والرؤساء السابقين سليم الحص ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام ووزراء ونواب والعديد من الشخصيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *