الانتشار الفني - محلي ← لبنان

  • ما بين سيطرة القانون وسيطرة الجنون... تعرّف إلى اتيكيت قتل الزّوجة!

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2018/12/عاطل-عن-الحرية-عبر-محطة-أم-تي-في-01.12.2018.jpg
عاطل عن الحرية عبر محطة "أم تي في"

لم يكن ينقص الرّجل المعنِّف دعامة إضافيّة في إطار تعزيز تسلّطه الموروث عرفيًّا. لطالما علّق أولئك جرائمهم بحقّ النّساء على شمّاعة المفاهيم العرفيّة والدّينيّة، ولكن الجديد الآن هو انضمام اعلام الإيتيكيت إلى قافلة تلميع هذه الجرائم وتلميع صورة مقترفيها. بالمناسبة، من ايتيكيت القتل إشهار النْدم، وإلا ستكون قاتلاً فولغير!!

 

"عاطل عن الحرية" يظهّر الصّورة الرّومنسيّة للعنف ضدّ المرأة!

 

للوهلة الأولى حاولت تصفية نيتي، لعل القناة أرادت إيصال رسالة اجتماعية مفادها ردع العنف الأسري والتنبيه لتداعياته، ولعل القاتل سيشي بظهوره بسر العدالة: لكلّ جرمٍ عقاب، فاجتنبوا الوقوع بشرك الجريمة. في الحقيقة إن الواقع كان موازيًا بالقوةّ، إلا أنه مخالفٌ بالاتّجاه. قالها الجاني، هو نادم ولكنّه لم يلمّح ولو تلميحًا لقوّة العدالة وسيطرة القانون، وإنّما لقوّة العرف وسيطرة الجنون. وجاء النص الاعدادي تحت شعار -عدم التبني- ليبرر مواقف الجاني. بين الاخفاق الاعدادي والادمان السكوبي، عادت قضية #منال_عاصي للتداول، ولكن هذه المرّة بصورةٍ رومنسيةٍ تستجلب التّعاطف مع القاتل، ربما على القاعدة الشعبية الشهيرة "الحي أبقى من الميت". الحي هو القاتل محمد النحيلي، ويبدو نادمًا ولا شكّ بانّ هذا الامر طبيعي، وهذا يبدو كافيا لتقدم الـmtv على تلميع صورة ثورته الذكورية بعناوين على شاكلة "الثأر للشرف". أمّا الميّت فهي الضحية منال العاصي، وقد انتقلت إلى عالم آخر بفعل القتل، فأنى للقناة ان تتجرأ على حقّها بالعدالة فتقرر عنها ما تتمناه بعد اغتصاب حقها بالحياة!

 

"مين اللي معو حق":

 

الخيانة vs الجريمة

 

‏"شكرا لكل يلي كتب بموضوعيه.. وبغير موضوعيه نحن نقول انو اشتغلنا الحلقه بكل ضمير مهني مع فريق العمل كله وكل شخص بحب يقرا معنا الحكم الصادر عن المحكمه يتواصل معنا وهون منشوف مين اللي معو حق".

 

بهذه التغريدة رد الاعلامي اللبناني سمير يوسف، معد ومقدم برنامج "عاطل عن الحرية" على كل الانتقادات التي تبعت عرض حلقته مع السجين محمد النحيلي، معنف زوجته منال العاصي حتى الموت.

 

ثورة من الغضب اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي عقب الحلقة لما اعتبرته الأغلبية تبرير للقتل وإعادة قتل الضحية، بينما يرد الاعلامي بتحد واضح "منشوف مين معو حق"!!!

 

البرنامج بأهدافه المعلنة يحاول محاكاة الظروف التي رافقت السجين لتودي به إلى الجرم ومن ثم العقاب، وتحاول الوقوف عند الحالة النفسية المرافقة للسجين المجرم قبل وبعد ارتكاب الجرم، ولكن "الطريق إلى جهنم معبدة بالنوايا الحسنة". وهنا تستوقفنا رسالة واضحة مفادها تبرير الجريمة لذريعة الخيانة. قد يبرر القيمون على القناة عدم تقصدهم لهكذا نية بعبارة "القناة لا تتبنى ما يرد على لسان الضيوف"، إلا أن المسار الحواري والإعدادي للحلقة أسس لمناظرة واضحة بين إشكاليتين: "اشكالية الخيانة" في مقابل "اشكالية الجريمة". دعونا نتوقف عند تفاصيل ما عولج في الحلقة:

 

- زوج قاتل: بحسب الاعترافات

- زوجة خائنة: بحسب الشهود

- مجتمع منقسم ما بين محرض وجبان: بحسب الواقع والتمثيل

 

الزوج القاتل، محمد النحيلي يحاول تبرير القتل بالتأكيد على خيانة زوجته له، ويلبس الجريمة ثوب فقدان السيطرة على الذات، لتقدم بعدهاالقناة على تحليل الوضع النفسي لنحيلي، والأخير يصر على حق التسوية "تنيناتنا غلطنا". حسنا، معنى ذلك أن لكل المجرمين أسبابهم النفسية والواقعية للتجرؤ على ارتكاب الجرم. الجميع لديهم تبريراتهم: السارق والقاتل والعميل والخائن! حسنا، سنتوقف قليلا عند المثال الاخير: الخائن! نعم، سواء اجترعناها أم لا، الخيانة مع التأكيد على رفضها، تسبقها مسببات. ولكن كل ما استطاعت زرعه الحلقة في ذهنية الرأي العام هي فكرة خيانة الزوجة، وإرفاقها عن جهل او قصد بتبريرات الجريمة.

 

في سيناريو "التبرير" المعتمد، انتصرت الجريمة على الخيانة. تكوفئ القاتل بالكثير من الأعذار والمبررات والأسباب التخفيفية اجتماعيا على غرار التخفيف القانوني، فحظي بعدها بالقبول والدفاع الاجتماعيين، حتى ظهره الاعلام بصورة بطل. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، لم لم يتم اسقاط هذا السيناريو على الطرف الآخر؟ حينما تجرأت القناة على التنبؤ بما تتمناه الضحية وهي في العالم الآخر، لم لم تتنبأ بما كانت تتمناه من قاتلها في عالم الدنيا؟ لم لم تضع احتمالات على الاقل للسيناريو المعاش قبل الخيانة؟ القناة برأت القتل، ونحن لا نطمح لتبرئة الخيانة، بل الموضوعية التي يدعيها البرنامج هي بيت القصيد. أما سمعتم عن زوجات معنفات؟ عن زوجات مهملات؟ عن طالبات طلاق يواجهن بالرفض والمنع تحت ذريعة العيب والسترة والبقاء إلى جانب الابناء؟

 

في خضم تبرير الجريمة، ومع اعترافنا بنبذ الجرمين مع اختلاف التناسب، القاتل الجاني برر جريمته بالخيانة، هل أعطت القناة حق الضحية المغدورة بترير الخيانة؟

 

هذا لو أردنا اتباع نهج القناة في بلورة الآثار النفسية للخيانة الزوجية. ولما كان هذا البرنامج يدعي الموضوعية، فلم تغييب الآثار القانونية للخيانة الزوجية؟ كان حري بالقناة أن تبقي على ذم القتل مهما أرفق بالتبريرات وتلفت إلى عواقب الخيانة مهما انطوت على ذرائع.

 

فيما يتعلق بالأثر القانوني للخيانة الزوجية التي تُثبت على الزوجة، فإنّه يتمثّل بحرمان المرأة من حقوقها المتعلّقة بالمتعة وحضانة أبنائها المتجاوزين لسنّ التمييز، ولم يرد أي مسوّغ مبرّر للتعنيف والتنكيل والحرق وتكسير الأسنان وترك الجسد ينزف لساعاتٍ طريح الارض بلا رحمة.

 

بهذه المناسبة، نذكّر القناة أيضًا أنّ القاتل، كما تبيّن لدى التّحقيق، صادرٌ بحقّه عدّة مذكّرات توقيف من بينها "السّرقة والقتل ومحاولة القتل والإيذاء، القيام بأعمال إرهابية، إثارة النعرات المذهبية والتحريض على النزاع بين الطوائف وحيازة واستعمال الأسلحة"، ولا نعرف إن كانت كلّ هذه الأعمال أيضا تستحقّ النظر في الأسباب النّفسية والتّّبريرات الاجتماعيّة التي تقف وراءها.

 

اتيكيت قتل الزّوجة: أنت الآن بطل!

 

نجحت الأم تي في بتلميع صورة القاتل، إلا أنها تفوّقت على نفسها في اعطاء الوصفة السّحريّة لإيتيكيت قتل الزوجة:

 

هل تريد أن تكون مجرما بصورة بطل، الامر سهل.

 

1- قفْ كثيرًا عند ذريعة الخيانة. لا عليك، انت رجل. ليس عليك أن تأبه للرد القانوني لاسترداد حقك، فأنت الآن مجنون وليس عليك حرج!

2- قل: ايّ أحدٍ في مكاني لن يتقبّل الامر. تكلّم عن الكرامة، عن الشّرف، عن فقدان السّيطرة، عن أيّ شيء يصبغ جريمتك بالبطولة.

3- ذكّر النّاس بمدى حبّك لضحيتك. فمن الحبّ ما قتل.

4- قل انّك نادم، ولا ضير بالتّذكير بأنّك لست الوحيد من اخطأ.

5- استرجع ذكرياتك الرّومنسية مع الضحية، وابكِ. ابكِ كثيرًا، فالدّموع، وإن لن تغسل يديك من دماء الضّحية، فهي باتت تغسل الذّنوب بمباركة اعلامية.

6- اطمئن... هاك صك البراءة. أنت الآن بطل، ضحّيت بحريّتك لأجل الشّرف، فأصبحت بطلٌ عاطلٌ عن الحرّيّة!

 

مريم مالك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *