الموقف السياسي

  • أيها اللبنانيون لا تغضبوا!

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2017/02/الانتشار.jpg

أمضيت في لندن ما يقارب الخمسة عشرة عاما. قصدتها في العام 1982 برفقة زوجتي مهى منقارة، التي كانت حاملا حينذاك. عملت في مجلة "الحوادث" التي تسلمتها ارملة الصحافي الكبير الراحل سليم اللوزي السيدة أمية، ومن ثم انتقلت الى مجلة "المجلة" الصادرة عن "الشركة السعودية للأبحاث والنشر" ناشرة صحيفة "الشرق الأوسط" واربع عشرة مطبوعة اخرى بينها "سيدتي" و"هي" و"الرجل".

 

في عاصمة الضباب الانضباط على اصوله. والالتزام بالنظام مثال يحتذى به. أوَلم تُعتمد ساعة "بيغ بن" العريقة كدليل عل دقة التوقيت؟!.

 

مثلها مثل الشعب البريطاني. كل دقيقة ولها حسابها. وعمله، مهما كانت نوعيته، يؤديه بهدوء وروية. ومن هنا جاءت عبارة "برودة الانجليز" المتداولة في العالم.

 

على وقع هذه الأجواء كلها تتلمذنا، انا وزوجتي ومعنا كريمتنا الوحيدة رين. تعلمنا كيف نقف بالطابور، وإن طال الوقت، حتى ندفع ثمن قميص على سبيل المثال، او بعض الخضار التي نبتاعها من "السوبر ماركت". التزمنا باشارات السير التي تُعلمنا متى نعبر الطريق. تقيدنا ببرنامج جمع النفايات الذي يقوم عمال الشركة المولجة بها بالمرور على المنازل ثلاث مرات في الأسبوع، مما يعني أنه يتوجب علينا وضعها امامها عند الصباح وقبل التوجه الى أعمالنا.

 

الأهم في ما ارمي اليه من خلال هذه المقدمة قبل ان أنتقل الى لبّ الموضوع في "حديث الأربعاء" لهذا الأسبوع، انك في المملكة المتحدة (بريطانيا) وغيرها من الدول المتحضرة لا تحتاج للذهاب الى المؤسسات الرسمية والحكومية كي تنجز معاملاتك، أي معاملة كانت، بل بامكانك إجراء ذلك عبر البريد. وهذا يسري على غير البريطانيين أيضاً الراغبين في الاقامة هناك باستثناء الذهاب مرة او مرتين الى مركز للشرطة القريب من مكان الاقامة كي تُعرّف عن نفسك ومن يقطن معك في البيت للحصول على ما يسمى ب"البطاقة الخضراء" التي هي بمثابة الهوية الخاصة بك.

 

ما علينا.. كل هذا أضحى معلوماً عند كثيرين. لكن ما ليس معلوما ربما ما سأرويه في الأسطر التالية وصولا الى إجراء المقارنة الأليمة.

 

في العام 1989 تعرضت مناطق عدة في بريطانيا لعاصفة عاتية، متعارف عليها بالانجليزية باسم "Hurricane"، بلغت سرعة الرياح فيها 160 كم في الساعة وأدت الى احداث أضرار جسيمة في عدد المنازل، وسقوط بضع ضحايا، بينهم ممثل كوميدي مشهور لم أعد أذكر اسمه قُتل وهو يدير محرك سيارته، بعد ان هوت فوق رأسه شجرة ضخمة. كما تسببت العاصفة بانقطاع التيار الكهربائي في اماكن عدة من لندن بينها الحي الذي أقيم فيه.

 

إلى هنا والمسألة عادية وطبيعية. لكن ما هو غير العادي والطبيعي تلك المفاجأة التي تلقيتها عبر البريد وفيها رسالة من "مؤسسة الكهرباء" جاء فيها انها تُقدم اعتذارها لي ولأهل بيتي عن الانقطاع الكهربائي الناجم عن العاصفة الهوجاء، وتتمنى عليّ إبلاغها بنوع العطل والضرر الذي احدثه اذا كان هناك من عطل وضرر، ومقدار تكلفة اصلاحه. كذلك اعلامها بالضرر المادي الذي لحق بي ازاء عدم تمكني من الالتحاق بعملي، او اتمام عمل ما مرتبط بالكهرباء كارسال "فاكس" على سبيل المثال يتضمن مقالة لي لعلم الشركة، التي سبق ان زارنا مندوب عنها، بانني اعمل في مجال الصحافة وأراسل صحيفة او صحيفتين خارج بريطانيا واتقاضى بدلا عنهما. وقد أجبت يومها على السؤال المطروح، وفيه ابين بانه تعذر علي ايصال مقالتي الى الصحيفة التي اراسلها، الأمر الذي نجمت عنه خسارة بسيطة لا تتعدى المائتي دولار فقط.

 

لم يمضِ أسبوعان حتى وصلني عبر البريد ايضا، الذي يرمى من "فتحة" الباب المخصصة لذلك، شيك وقدره اربعمائة دولار كتعويض عن الخسارة اياها مع عبارات لطيفة تكرر فيها الشركة اعتذارها وتتمنى عليّ طيب الاقامة في الربوع البريطانية.

 

طبعاً وبالتأكيد ليس في الأمر ما يدعو الى العجب والدهشة. فنحن في لبنان معتادون على هكذا تعامل راقي. وسبق ان تلقينا آلاف الرسائل من شركة الكهرباء التي تطيّب فيها خاطرنا وتخفف عنا المعاناة الملازمة لحياتنا اليومية بفعل الانقطاع المتكرر للكهرباء ولغيابها الكامل عنا مرات عدة احيانا.

 

لقد سبقنا بريطانيا وغيرها من البلدان الراقية في طريقة تعامل مؤسساتنا الرسمية مع الناس، الذين يأتون اليها حذرين قانطين فيخرجون منها معززين مكرمين أليس كذلك؟!. هل من يعترض على كلامي؟!.

 

أخيراً اسمحوا لي ان أشير بأنه ما دفعني الى كتابة ما سبق، بدءاً بالسطر الأول حتى الآن، هو ما حصل قبل ايام في "مطار رفيق الحريري الدولي" حيث تعطل "الانترنت" المسيّر لعمل أجهزة الكومبيوتر المخصصة لحركة المسافرين في شركات الطيران، الأمر الذي أدى الى ازدحام هائل لم يشهد المطار مثله منذ تأسيسه، وتسبب بحالة هرج ومرج وفوضى وصولا الى التضارب بالأيدي. كما نتج عنه التأخر في حركة الاقلاع والهبوط، مع ما يعني ذلك من "خربطة" هائلة لبرامج المسافرين، المغادرين والقادمين، ناهيك عن الأضرار المختلفة التي أصابت كثيرين، سواء في اعمالهم او برامجهم. وثمة من أتيحت فرص عمل امامه، او تعذر عليه الحضور الى موعد على جانب كبير من الأهمية بالنسبة له.

 

اطرف ما لفتني في هذه "المعمعة" هو الاعلان بأن الدولة اللبنانية ستطالب الشركة الأجنبية المولجة بادارة "الانترنت" في المطار التعويض على المسافرين، ذهابا وايابا، بعد ان حمّلتها كافة المسؤولية عن العطل والضرر الكبيرين اللذين لحقا بالمطار وسمعته. لذلك نطمئن كل ما له علاقة بالأمر ألا يقلق أو يغضب ويريح اعصابه لان التعويض آتٍ لا محالة وإن طال الزمن..

 

وهل ضاع حق احدٌ منا في لبنان؟!.

 

(عن "البيان" الطرابلسية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *