الموقف السياسي

  • الحقيقة المكتومة في الصحافة المكتوبة

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2018/10/بيع-جرايد-صحف-300x300.jpg

أنا أنتمي لجيل الصحافة المقرؤة، يوم كانت في عزها ومجدها.

 

دخلت معتركها في العام 1968، منذ أن أتاح لي الصحافي الكبير الراحل الأستاذ سليم اللوزي ابن طرابلس صاحب ورئيس تحرير مجلة "الحوادث" العمل فيها، بعد أن أدخلني الى مكتبه الكائن آنذاك في كورنيش المزرعة المحامي اللامع الأستاذ باسم الجسر، أحد أبرز المنظرين لنهج رئيس الجمهورية اللبنانية الراحل اللواء فؤاد شهاب، والذي تربطني به صلة قربى باعتباره شقيق المهندس حازم الجسر زوج عفاف خير الدين عوض كريمة خالي الراحل، اللذين قضيا نحبهما في حادث الطائرة المفجع الذي وقع في مصر العام 1965 وأودى بحياة ثلاثين طرابلسيا مع زوجاتهم بينهم مهندسون ومحامون وأطباء.

 

ما قصدته من وراء ما تقدم هو القول بأنني أطفئ شمعتي الخمسين في عالم الصحافة المكتوبة التي أبحرت على متن مركبها وواجهت الأمواج العاتية التي كادت تعطل مسيرتي لولا صبري وعزمي على بلوغ الهدف. وهو التمكن من ممارسة هذه المهنة تحديدا. وأظن أنني حظيت بما أريد والحمد لله دائما.

 

خمسون سنة في ممارسة الصحافة ليست بالقليل صحيح.. لكنني اكتسبت الكثير. والأهم معرفة كيف التعامل مع الناس كبيرهم وصغيرهم. وأعني بالكبير هنا قادة وملوك ورؤساء جمهورية وشخصيات على أنواعها، سياسية واجتماعية وعلمية وفنية.. ومن دول مختلفة في الشرق والغرب. مما يعني أن لدي الكثير من الأسرار والأخبار، منها ما نشرته بالفعل ومنها ما لم أبح به وأبقيته مختزنا في ذاكرتي. وبعضه من دون مبالغة قد يقلب أمورا وأفكارا رأسا على عقب ويكشف المستور في سياسات مسؤولين كبار يدّعون الصدق وهم يكذبون مع كل شهيق وزفير.

 

لست هنا في معرض الحديث أو سرد تفاصيل عمّا أملك من معلومات. فهذه ليست غايتي على الاطلاق. وما اوردته ما هو الا مدخل اتناول فيه وضع الصحافة المقرؤة، تحديدا، خصوصا بعد ان طلعت علينا السيدة نايلة تويني، ناشرة ورئيسة تحرير صحيفة "النهار"، بتلك الفكرة المعبرة التي قادتها الى اصدار "النهار" يوم الثلاثاء الماضي بصفحات بيضاء ارادت من خلالها قرع جرس الانذار ودب الصرخة الموجعة، لا في ما آلت اليه أحوال الصحافة المكتوبة من تردي فحسب، بل للتعبير عن استياء الناس،عامة الناس، من الدولة وحكامها ومسؤوليها الذين ما فتئوا يغدقون علينا الوعود بغد زاهر لم نلمس أثرا له بل على العكس إذ بتنا على شفير الهاوية.

 

في أزمة الصحافة المكتوبة حدث ولا حرج.. فها هي واحدة من كبريات الصحف في لبنان، عنينا بها "السفير"، تطوي صفحاتها الى الأبد، وما لبثت ان لحقت بها "الأنوار". وقبلهما شهدت الساحة الاعلامية ولادة جريدة "الاتحاد" استبشرنا خيرا بها، وأثنينا على مغامرة من رفع لواءها الزميل مصطفى ناصر بعد أن استقطب غالبية الفريق الذي كان عاملا في "السفير" الى رحابها، لكن المغامرة المذكورة لم تعمّر أكثر من ثلاثة أشهر لفظت بعدها أنفاسها ثم ما لبث الزميل مصطفى أن رحل عنا إثر اصابته بمرض عضال.

 

لم يعد خافيا على احد أن من بقي صامدا من الصحف أي "النهار" و"اللواء" و"الشرق" و"الجمهورية" و"الديار" و"البناء" و"الأخبار" و"المستقبل" و"البلد" ما فتئ أصحابها يشكون من شح الموارد. وثمة من عمد الى تسريح العشرات من موظفيه وعماله كما فعلت "النهار"، فيما فتح صاحب "اللواء" ورئيس تحريرها الزميل صلاح سلام باب الاستقالة أمام الراغبين من المحررين في ذلك. ولن يفوتني هنا أن أذكر ما حل بجريدة "الحياة" التي يملكها الأمير المعروف خالد بن سلطان بن عبد العزيز ولا أظنه بحاجة لمال، إذ أصدر قرارا باقفال مكاتبها في بيروت فيما لم يحصل العاملون فيها على تعويضاتهم بحجة الخسائر الفادحة التي منيت بها.

 

اللافت أن كثيرين ممن تحسروا على ما حل بالصحافة المقرؤة راحوا يشيدون بأصحاب الصحف وينوهون بما فعلوه وقدموه للبنان وخارجه في عالم الصحافة. لكن فاتهم الالتفات الى ما هو اهم من وجهة نظري، وهو قطع أرزاق المئات من صحافيين وكتّاب وعمال مطابع وموظفي مكاتب وما سيجره ذلك من انعكاس سلبي على عائلاتهم، خصوصا اننا سمعنا الكثير عن إحجام اصحاب المؤسسات الصحافية التي أسدلت الستار عليها عن دفع التعويضات المستحقة لمن سرحتهم وجعلتهم بين ليلة وضحها عاطلين عن العمل بحجة الافتقار الى المال اللازم. وهذا لعمري غير صحيح البتة، إن ام أقل أكثر لعلمي ويقيني بأنهم جنوا الكثير من المال الذي كان يمدهم لا بل يغدقه عليهم رؤساء دول ووزارات اعلام وسفارات وشخصيات ميسورة. وفد شهدت بأم العين، وأنا الذي عملت في أكثر من مجلة وصحيفة، كيف يتلقى أصحابها المبالغ الضخمة والهدايا الثمينة حيث يقومون بايداع معظمها في حساباتهم الخاصة ويبقون على القليل منها لصرفها على مطبوعاتهم التي كان العاملون فيها يطالبون بزيادة أجورهم من دون أن يلقوا الأذن الصاغية.

 

أين ذهبت كل هذه الاموال؟!، وقد علمنا أن بعض من حصل عليها بات يمتلك الطائرات الخاصة. من هنا جاء كلام أحد المصروفين على صفحته الفيسبوكية مطالبا ببيع طائرة لدفع التعويضات على مستحقيها.

 

ولكي أكون منصفا، لا بد من التوضيح بأنني لا أضع اللوم، كل اللوم، على أصحاب الصحف والمؤسسات  الاعلامية الذين لم يخبئوا القرش الأبيض لليوم الأسود الضاغط تحت وطأة احتضار الصحافة المقرؤة. بل لا بد أن يشمل اللوم أيضا الدولة والحكومات المتعاقبة ووزراء الاعلام الذين لطالما أعربوا عن حزنهم لما آل اليه وضع الصحف ونادوا بانقاذه عبر تقديم المساعدة المالية لكل من أصيب بالتدهور وطلعوا بمشاريع قوانين لهذه الغاية وأصدروا قرارات ووضعوا دراسات بقيت جميعها دون جدوى ومجرد حبر على ورق.

 

وللمزيد من الانصاف، لا بد من الاعتراف والاقرار بأن أباطرة الاعلان باتوا لا يكترثون بالصحافة المكتوبة، بعد أن كانت ملاذهم في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات قبل أن ينجذبوا  صوب الاعلام المرئي والفضائيات بصورة خاصة. وهذا ما أصاب الصحافة الورقية بمقتلِ حاولت جاهدة مواجهته وما زالت حتى الساعة من دون أن تحقق النتائج المرجوة. والخوف ألا يقضي هذا الوضع على ما تبقى من صحف عندنا ما زلنا نترقب صدورها كل صباح.

 

الصحافة المقرؤءة تلفظ أنفاسها؟!

 

هذا ما يتردد حاليا، لكنني لا أجاري هذا القول. ويكفي أن ننظر حولنا في مصر والسعودية والكويت والامارات قبل أن نلتفت الى أميركا وبريطانيا وفرنسا لنرى ان صحافتهم المقرؤة ما زالت على قيد الحياة. وإن هي تراتجعت بعض الشيء لكنها ظلت واقفة على قدميها..

 

كيف ذلك؟

 

الجواب عند الدولة أولا التي عليها أن تكف عن البكاء على الأطلال وتتحرك لنجدة من جعلوا الاعلام اللبناني منارة بلغ شعاعها العالم العربي. كما على من يدّعي الغيرة على المهنة من أبنائها وغيرهم أن يشمّروا عن سواعدهم وينزعوا الأقفال عن جيوبهم.

 

(عن "البيان" الطرابلسية)  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *