الموقف السياسي

  • القابضون على الجمر

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2017/02/الانتشار.jpg

ينتابني شعور بالأسى والاحباط كلما هممت بالكتابة عن المعاناة التي نعيشها في طرابلس، والتي لا أظن أن هناك شبيها لها في المدن اللبنانية الأخرى. وقد أكون مخطئا أو مبالغا في نظرتي هذه. لكنني لم ألمس كما لم يفدني أحد بما يجعلني أتراجع عما أنا مقتنع به.

 

شعور الأسى هذا لا يقتصرعلى المعاناة اياها بل يمتد الى العامل النفسي أيضا لا بل المهني. إذ بت في حيرة من أمري ويكاد اليأس يتملكني ازاء السؤال الذي لا يفارق مخيلتي عن الجدوى من المثابرة على ترداد وتكرار المعزوفة نفسها والشكوى ذاتها القائلة بأن مدينتنا طرابلس واقعة في براثن الاهمال والحرمان. ويبدو أن لا حياة لمن تنادي الى انتشالها من هذا الوضع المزري، أكانوا في الدولة أو خارجها ممن بامكانهم التخفيف من وجعها. وهم الذين يمتلكون القدرة على ذلك إن أرادوا وعزموا وشدّوا الهمة، خصوصا أنهم من أبنائها العالمين بألف باء حاجياتها ومطالبها.

 

وقبل أن أدخل في لغة الأرقام والاحصاءات، التي أقل ما يقال فيها أنها صادمة ومفجعة، أود الاشارة الى أنني، ومنذ أن انضممت الى فريق الكتابة في صحيفة "البيان" بدعوة مشكورة من الزميلة المقدامة أمل زيد حمزة، الصامدة في عالم الصحافة المقرؤة المتقهقر، وأنا أحرص على إيلاء مدينتي كل اهتمام محاولا رصد كل ما يتعلق بشأنها والاضاءة عليه، أكان اجتماعيا أم اقتصاديا أم إنسانيا أم أمنيا.. وشاءت الظروف أن يحتل الموضوع الأخير، أي الأمني تحديدا، حيزا واسعا في "حديث الأربعاء" بحيث وصل عدد المقالات الخاصة به مايقارب المائة. بعضها يتضمن تفاصيل ما كان يجري فوق الطاولة وتحتها ويكشف المستور. وقد قمت بجمعها في كتاب يصدر قبل نهاية العام القادم باذن الله تعالى. أما مرد هذا العدد المرتفع للمقالات المشار اليها فيعود الى جولات القتال التي شهدتها المدينة بين المنطقتين العزيزتين على قلوبنا "باب التبانة" و"جبل محسن"، التي بلغت 21 جولة أبرزها ما شهدناه في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية.

 

جولات القتال هذه، وما رافقها من أحداث مأساوية، زادت طين الاهمال بلة. ولطالما رفعنا الصوت وأشرنا الى مكان العلّة من دون أن نلمس تحسنا. ويوم استبشرنا خيرا بمجيء مجلس بلدي جديد علّه يعوض ما فات ويعيد الى وجه المدينة نضارتها أو بعضا منها، إذ بنا نُصدم ونتلهى بمسلسل الخلافات الدائر بين فريق من أعضائه ورئيسه. ولا أبالغ هنا اذا قلت بأنني مللت من اعادة سرد المشاكل والقضايا التي تخص طرابلس. وآمل ألا يكون القرّاء قد ملوا معي أيضا كوني بت أسمع ملاحظات وانتقادات من قبل بعضهم، وأنا أرحب بها بالتأكيد، يتمنون عليّ ألا أعيد عزف المقطوعة نفسها عشرات المرات وهم محقون في ذلك. لكن يخيل لي بأن غضّ الطرف عما أنا في صدده معناه الاستسلام لليأس وهذا ما لا أستسيغه على الاطلاق. فالسكوت عن الحق شيطان أخرس، وعلينا المضي في الحراك على أنواعه، الشعبي والاعلامي وغيرهما حتى تستقيم الأمور. واذا كان أهل البيت يعمدون الى اهمال ما عليهم تحصيله فلا ينتظرن من أحد أن يأتيهم بما هو حق لهم.

 

تحدثت في بداية مقالتي هذه عن المعاناة التي نعيشها في طرابلس. والصحيح أنها تبدأ قبل الدخول اليها. والمقصود ذلك العائد من بيروت الى مسقط رأسه الفيحاء، حيث يواجه ازدحام السير المريع الذي يتطلب في أحيان كثيرة ما يقارب الثلاث ساعات لقطع المسافة المحددة بين العاصمتين الأولى والثانية والمقدرة بخمسة وسبعين كيلومترا لا غير. وأذكر أنني عرضت لهذا الأمر في مستهل كتاباتي في "البيان". وها أنا أعود اليه اليوم، أي بعد ما يقارب الأربع سنوات، لم يطرأ خلالها أي تطور يخفف من وطأة هذا العذاب الذي يرافقنا على الطريق ذهابا وإيابا أو بالعكس. أما على الصعيد الداخلي، داخل طرابلس، فالأمور تزداد سوءا ويكفي هنا أن أعيد نشر مقتطفات من دراسة احصائية أجرتها وزارة الشؤون الاجتماعية وهيئات متخصصة في الأمم المتحدة أتى على ذكرها النائب فيصل كرامي أيضا في كلمته التي ألقاها في "اللقاء التشاوري" الذي دعا اليه وأقيم يوم الخميس الماضي، وجاء فيها:

 

1- أدنى مستوى للدخل الفردي في لبنان وانعدام في فرص العمل وانتشار البطالة، وبالأرقام نسبة الفقر في طرابلس 68%، ونسبة البطالة 42%، ونسبة التسرب المدرسي 58%، و51% من سكان طرابلس لا يتجاوز مدخولهم اليوم 4 دولارات، و%73 من عائلات المدينة ليس لديها تأمين صحي، و25% من العائلات يقل مدخولهم عن 500 دولار.

 

2- انخفاض مستوى مؤشرات التعليم، حيث تسجل طرابلس أعلى نسبة على مستوى لبنان في التسرب المدرسي لدرجة أن بعض أحياء التبانة تسجل رقما مخيفا وهو أن 50% من أطفالها لم يلتحقوا بالمدارس. كما تظهر الدراسة أن طرابلس تسجل أعلى مستوى للأمية.

 

3- أعلى نسبة لجرائم الأحداث في لبنان. إذ شكلت نسبة هذه الجرائم في طرابلس 40% من مجمل جرائم الأحداث في لبنان.

 

4- نسبة العمالة لدى الأطفال دون سن 18 عاما هي 13% في لبنان ثلثهم في طرابلس.

 

5- نسبة التسليف من القطاع المصرفي الى القطاع الخاص في طرابلس هي في حدود 2% من مجمل حجمها في لبنان.

 

أما بعد.. فهل من يريد المزيد؟.

 

أرقام كهذه تدفع الى الانتفاضة.. الى الثورة.. وهذا ما لا يرغبه الطرابلسيون ولا يريدونه لتمسكهم بالدولة ومؤسساتها وشرعيتها. ولكن الى متى بامكانهم الصبر والقبض على الجمر؟.

 

(عن "البيان" الطرابلسية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *