الموقف السياسي

  •  حب وفساد وانتخابات!

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2017/02/الانتشار.jpg

 

أكثر من موضوع دونته في مفكرتي خلال الأسبوعين الماضيين عزمت على تناولها في مقالتي هذه، وإن بشكل مقتضب وواضح في الوقت نفسه على أن أتبع التسلسل الزمني عند العرض.

 

في الرابع عشر من شهر شباط الماضي احتُفِل بما سُمّي "عيد الحب"، الذي بات الكثير من اللبنانيين يحسبون له حسابا حيث يبتاعون الورود الحمراء فيتبادلها المحبّون بين بعضهم البعض، وصولا الى المتزوجين الذين يستقبلونه، كلُّ على طريقته. فمنهم من يُسعِد زوجته بوردة أو باقة ورود، وآخرون يأتون بقوالب الحلوى التي صُممت على شكل قلب يطغى عليه اللون الأحمر أيضا، الى ما هنالك من هدايا خاصة ترمز الى العيد المذكور.

 

في الشارع الذي تعبره يوم العيد، وقبله بأيام قليلة، تبدو الاستعدادات لاستقباله واضحة في محلات "النوفوتيه" وبيع الأزهار وكذلك لدى باعة الحلوى. الا أن ما تسمعه في خطب صلاة الجمعة تزامنا مع هذه الظاهرة يجعلك تعيد النظر في ما أقدمت عليه. فها هو الخطيب ينهر المصلين ويحذرهم من "ركب الموجة" ويفيدهم بأن ما يفعلونه بهذا الشأن ضلالة. ويذهب معتلو المنبر في بيت الله عز وجل الى رواية أصل وفصل هذا العيد الذي يعزوه الى قديس روماني يُدعى "فالنتين" من مواليد العام 175 ميلادي، كرّس حياته للجماعة المسيحية وتقوية ايمانها كما تقول الأسطورة، وتصدّى لقرار عسكري آنذاك يمنع الزواج للجنود، بذريعة أن الزواج يشغلهم عن الحروب التي يخوضونها. لكن هذا التصدي أودى بحياته. إذ جرى حبسه ومن ثم إعدامه بأمر من حاكم روما. وكان محبوه، الذين يمنحهم "بركة الزواج"،حتى من خلف القضبان، يرمونه بالورود الحمراء. ومن هنا جاءت تسمية "عيد الحب" وسُمّيَ أيضا بـ "عيد العشاق" أو "انتصار الحب" المعبَّر عنه بوردة ولكن حمراء بالتحديد.

 

كلام المشايخ هذا فعل فعله على ما يبدو. إذ أجرت إحدى المحطات الاذاعية استفتاء على الهواء سألت فيه المتصلين ما اذا كانوا مع العيد أو ضده فجاءت الاجابات لتفيد بأن ثمانين منهم لا يحبذونه.. ولا داعي لمزيد من التفسير فلكل واحد رأيه في هذا الموضوع.

 

ومن منبر المسجد الى منبر البرلمان الذي فاض معتلوه من النواب، إبان جلسات الثقة ومناقشة البيان الوزاري للحكومة الحريرية الجديدة، في الحديث عن الفساد والفاسدين من دون أن يأتوا على ذكر اسم واحد منهم، معللين ذلك الى أنه من مسؤولية القضاء الذي عليه أن يُحقق في كل هذا القيل والقال والاتهامات المتبادلة التي تتطاير فوق رؤوس مختلفة الأحجام والأوزان.

 

في خضمّ هذه "المعمعة" تسأل الناس أو من تلتقي بهم رأيهم في ما يجري فيأتيك جواب واحد الى حدٍّ ما مرفق بالتساؤل التالي: "كيف يمكن لمن غطّى الفساد طوال سنوات أمضاها في الحكم، وزيراً أو نائباَ أو مسؤولاً أو حتى رئيساً، أن يسير بعملية كشف المتهمين بارتكاب مختلف أنواع الفساد المالي منه بشكل خاص، الذي أوصل الدولة الى دينٍ عام بلغ 100 مليار دولار.

 

ويحضرني هنا، في هذا المجال، ما يُثار دائما عن الهدر الحاصل في موضوع الكهرباء، التي ما زلنا محرومين من الحصول عليها 24/24. إذ تعاقب على وزارة الطاقة والمياه، بعد أن وضعت الحرب البغيضة أوزارها إثر إبرام اتفاق "الطائف"، ما يقارب العشرين وزيراً أطلوا على الجمهور بعد تسلمهم الحقيبة ليعدوه بأن النور سييشع داخل منازلهم ومتاجرهم ومؤسساتهم.. ولن يسمعوا بعد الآن عبارة "انقطاع الكهرباء" ولا "شغّل المولد" أو ادفع فاتورة "الموتور". والمفارقة أن وعودهم جميعا تذهب أدراج الرياح، بل يسيء الوضع الكهربائي أكثر فأكثر. وها هو التقنين القاسي بات ملازما لحياتنا اليومية. والغريب أنك تسمع من هذا الوزير أو ذاك صرخات تعبر عن ضيقه من الحال الذي وصلت اليه الكهرباء، ويغرقك بالأرقام والتصاريح التي تدلك على مكامن الخطأ والتقصير في هذا الموضوع من دون أن يتكرم فيشرح لنا ما فعله لاصلاح "الأعطال" المتراكمة هذه داخل المؤسسة التي تحمل اسم "كهرباء لبنان" مع اقتراحِ بتبديله ليصبح "معاناة لبنان".

 

الموضوع الثالث الذي فرض نفسه بقوة قبل أيام قليلة، قرار المجلس الدستوري الذي قبِل فيه الطعن المقدم من المرشح طه ناجي بحق النائبة ديما جمالي من دون أن يُنجِح الأول، معلنا اجراء انتخابات فرعية في طرابلس لملء المقعد السُّني، الذي شغر، في مدّة لا تتعدّى الشهرين من نشر قرار الطعن في الجريدة الرسمية، الأمر الذي لم يتم حتى ساعة كتابة هذه المقالة صباح السبت الماضي.

 

ما كان ينقص طرابلس الغارقة في اهمال الدولة لها سوى انتخابات فرعية تعيد معها أجواء التشنج والخلافات التي طويت صفحتها مع نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة. وبعيداً عمّن سيترشح لمقارعة السيدة ديما جمالي، التي أعلن "تيار المستقبل" إعادة ترشيحها ودعمه لها، فقد استوقفتني ردود الفعل التي ظهرت إثر تلاوة رئيس المجلس الدستوري القاضي عصام سليمان ما توصل اليه المجلس في الطعون المقدمة اليه حيث برر رفضه لها جميعا باستثناء ما يتعلق بطرابلس.

 

واذا كنت أتفهم انتقاد رئيس "تيار الكرامة" النائب فيصل كرامي وحليفه  في اللائحة الانتخابية، التي خاضت معركة الانتخابات في أيار من العام الماضي الدكتور طه ناجي وسواهما من أعضاء اللائحة المذكورة لما خرج به المجلس الدستوري، فان المستغرب إقدام كتلة "تيار المستقبل" على شنّ أعنف هجوم على هذا المجلس متهماً إياه بأنه وجّه طعنة الى رئيسه سعد الحريري، لا بل ذهب أبعد من ذلك الى حدّ وصف قراره بـ "المؤامرة المدبرة".

 

خُلاصة القول.. ها هو الطاعن والمطعون به يصبّان جامّ غضبهما على المجلس الدستوري. وها هي القرارات القانونية المشككة بمطالعته تأتي من كلّ حدب وصوب، وهذا ما جعل المرء في حيرة من أمره يتساءل: من المحق؟ المجلس الدستوري، أم منتقديه؟

 

من الصعب الحصول على الإجابة الرسمية لأن لا سلطة قضائية أخرى تعلو على هذا المجلس. وعلى الجميع تقبل الأمر الواقع حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

 

(عن "البيان" الطرابلسية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *