الموقف السياسي

  • حتى لا يبقى الفاسد مجهولاً

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2019/02/فساد-رشوة-300x192.jpg

يحتار الصحافي بما يكتبه احيانا، خصوصا في بلد مثل لبنان باتت الاحداث فيه متسارعة الى حد  يصعب اللحاق بها، لا بل اللافت ان ما قد يُشغل الناس يوم الثلاثاء على سبيل المثال بفعل خبر فضائحي أو سياسي أو أمني يكاد اليوم التالي ينسف أو يٌنسي ما سبقه بعد أن يحمل  نبأ أشدّ وقعاَ وأكثر جذبا للإهتمام وهكذا دواليك..

 

جِئت بهذه المقدمة وأنا أستمع الى كلمات السادة النواب في البرلمان وهم يناقشون البيان الوزاري للحكومة الجديدة، وهي الثالثة للرئيس سعد الحريري ونأمل أن تكون الثالثه ثابتة هذه المرة، بمعنى تنفيذ  ما أمكن من الوعود الواردة في البيان المذكور، علما أن من وضعوه قالوا أنه نسخة وإن منقّحة بعد الشيء عن البيان الوزاري للحكومة السابقه التي اختير لها عنوان "استعادة الثقة". وهنا أترك للقارئ الكريم ان يستخلص ما اذا كانت الثقة هذه  قد استعيدت أم لا؟.

 

في جلسات مناقشة البيان الوزاري تناوب على المنبر اكثر من 50 نائبا، الأمر الذي دفع رئيس المجلس نبيه بري الى تمديد الجلسات لغاية يوم الجمعة الماضي، بعد ان كان المؤمل أن تنتهي هذه "العراضة"  مساء الأربعاء  كأبعد حد. وقد أُبلغنا  من رؤساء كتل برلمانية، ان اتفاقاً جرى فيما بينهم على اختيار متحدث واحد من كل منها بغية الاسراع وعدم اطالة الوقت إفساحا للمجال أمام الحكومة كي تنطلق في العمل، وهي التي اضاعت الكثير منه في خضم التأليف الذي شهد موجات مدّ وجزر، طلوع ونزول، وهبّات باردة وساخنة.

 

الاتفاق الذي حُكي عنه لم يصمد طويلاً. وسرعان ما نقضه اصحابه، او بعضهم على سبيل الدقة حتى لا نُتّهم بالتعميم، وهذا ما افصح عنه صراحة وزير الاعلام الجديد  جمال الجراح في حديثه الى تلفزيون "المستقبل" مساء يوم الاربعاء الماضي. وهكذا شاهدنا نائبين أو أربعة، من نفس الكتلة النيابية يتناوبون على الكلام. ولا أبالغ اذا قلت بأن الكثير من العبارات التي وردت على لسان أحدهم تكررت لدى الثاني والثالث والرابع.. وما ينطبق على كتلة برلمانية بعينها يسري على بقية الكتل حتى كادت الرتابة تطغى على الأجواء لو لم تخترفها سجالات على الهامش ومداخلات لنواب لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة. نذكر منهم النائب حسن فضل الله، النائب بولا يعقوبيان، النائب سامي الجميل..

 

كثيرون استوقفهم ما جاء في كلمة فضل الله التي خصصها للحديث عن الفساد المستشري في الدولة اللبنانية. وأورد وقائع محددة وجاء بعينات عن كيفية صرف الاموال هباءً ولمنافع خاصة في بعض الادارات والمؤسسات. وذهب فضل الله فيما اثاره الى حد القول بانه في حال اجريت التحقيقات اللازمة وفئُتحت الملفات من دون لف ودوران ومداخلات هنا وهناك فان احتمال إدانة رجال من أهل السلطة يضحى واردا ً.

 

طبعا كلام من هذا العيار لا يمكن أن يمر من دون أن يتوقف الجميع عنده. وللمناسبة هذه ليست المرة الأولى التي يتناوب فيها صاحبه على هذه المواضيع المدرجة  تحت عنوان "الفساد". فقد سبق له أن اثار "عاصفة" داخل لجنة الاعلام والاتصالات النيابية التي كان يرأسها في المجلس النيابي السابق عندما فتح ملف الانترنت غير الشرعي والتخابر الدولي "المهرّب" الذي لا يخضع لإدارة الهاتف. واذكر ان محطة تلفزيونية معروفة اتُّهمت بالضلوع في هذا التخابر واغتاظت غضبا. وشغل هذا الموضوع يومها الراي العام، خصوصا بعد أن دخلت محطة تلفزيونية أخرى منافسة للسابقة على خط المواجهة لتشتعل مقدمات اخبار كل منهما بالاتهامات المتبادلة. لكن لم تمضِ أيام حتى غاب هذا الصدام واختفت القضية المثارة عن المسرح. وهذا يعيدني الى ما استهللت به مقالتي هذه حين ذكرت كيف ينسينا حدث ما طرأ اليوم الحدث الذي قبله.

 

اذا سلمنا جدلا بان "الفساد" أضحى حديث الساعة، وثمة من أثنى على كل من تطرق اليه تحت قبة البرلمان حيث زودنا بأرقام مالية مذهلة تحكي عن الهدر. ويحضرني هنا ما كشفه النائب فضل الله عمّا يُحكى عن وزير خرج من الوزارة حاملا مئات الملايين من الدولارات مناشدا القضاء ان يعتبر الأمر إخبارا، وان كان على نطاق شائعة في الوقت الحاضر.

 

بدوري أتمنى على السلطات القضائية ،لا بل على رئيس الحكومة، ان يولي هذه "الشائعة" اهتمامه ويحث  الجهات القضائية المعنية على المتابعة والتدقيق والتحقيق ما اذا كانت حقيقة أم تلفيقا وعندها يظهر الخيط الابيض من الخيط الاسود.

 

نعم.. محق كل من طالب النائب فضل الله وغيره بأن يكشف أسماء المتورطين في الفساد. فها قد مضت سنوات والصراخ ضد الفساد والفاسدين لا يلقى الصدى المناسب ويحدثونك عن تنامي الدين العام حتى بلغ ما يقارب 80 مليار دولار. ولا نفهم كيف حصل ذلك. ومن أوصلنا الى شفير الهاوية والتردي المالي هذا. وطالما ان الفاعل مجهول. ولم يُكشف القناع عن فاسد واحد. يبقى الوضع على هذه الحال من التدهور الذي على الحكومة الجديدة ان تتصدى له  لا بتوجيه اللوم الى الفساد بل الايقاع  بأصحابه وضبطهم بالجرم المشهود وعندها تكسب ثقة الشعب كل الشعب.

 

(عن"البيان" الطرابلسية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *