الموقف السياسي

  • خواطر صباح يوم أحد

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2017/02/الانتشار.jpg

كنت في طريقي الى بيروت، قبل ظهر يوم الأحد الماضي، حين مررت بساحة الجلالة، التي هي ساحة عبد الحميد كرامي في الأصل، وشاهدت هذه المجموعة الراقية المتجمعة هناك التي تنادت للتظاهر واطلاق الصرخة ضد الاهمال المستفحل في طرابلس، وتجاهل الدولة لمتطلباتها، وان في الحد الأدنى، ناهيك عن الفساد المستشري في الجسم المؤسساتي وتردي أوضاع الناس أينما كانوا، من معيشية واقتصادية واستشفائية وتربوية..

 

عدد المتظاهرين لم يتجاوز المائتين لكن تصرفهم الرصين والشعارات التي رفعوها ووقوفهم تحت المطر المنهمر يومذاك يمسك بعضهم بمظلات لا تمنع عنهم التبلل بالماء، أوحى وكأن الالاف كانوا حاضرين هنا من منطلق انهم يعبرون عن آلام وضيق كل فرد منهم وينطقون باسمهم.

 

رأيت في المجموعة أصدقاءً كثراً، بينهم الطبيب والمحامي والمهندس والتاجر والفنان والمثقف والموظف و"ابن البلد" و"الدرويش" والكادحين والعمال ولا انسى العاطلين عن العمل. جميعهم شكلوا فريقا متجانسا هالهم الغبن اللاحق بمدينتهم ومسقط رؤوسهم. لم يلتقوا بدعوة من حزب أو جهة سياسية أو كرمى لعين هذا الزعيم او ذاك، هواة تبادل الرسائل عبر صندوق بريد من عامة الشعب، كما كان يحصل في السابق أيام جولات القتال "المصطنعة" بين المنطقتين العزيزتين على قلوبنا جميعا "باب التبانة" و"جبل محسن."

 

هذه المرة مختلفة عن سابقاتها. وتؤشر الى مرحلة جديدة مقبلة على الفيحاء. واذا ما كُتِب لهذه المجموعة المتراصة ان تتوسع، مع المحافظة على نوعيتها اولا وأخيرا، عندها بامكان القول أن الطرابلسيين بدأوا يستشعرون الخطر المحدق بهم بالفعل، وأدركوا أن "ما حك جلدهم الا ظفرهم"، وتباً للوعود التي تُغدق عليهم في المناسبات الانتخابية وغيرها التي يلجأ خلالها المعنيّ الى استمالتهم بشتى الوسائل. وهو ان نال مراده أحجم عنهم والشاطر من يستطيع مقابلته أو حتى الاقتراب من دارته.

 

قد يرى البعض في عرضي هذا وحديثي عما جرى يوم الأحد الماضي على "ساحة النور" مبالغة واعطاء الحدث أكبر من حجمه. وهذه وجهة نظر جديرة بالنقاش. قد تكون العاطفة غلبتني وجنحت في الكلام. وهذا وارد ايضا كوني أحمل في قلبي الكثير من الغيظ والضيق والحزن جراء ما بلغه الوضع في مدينتي من تردٍ وتقهقر وتراجع بلغ الخط الأحمر او يكاد. ولا بأس أن أتمسك بذرة أمل رأيتها في وجوه هؤلاء المتجمهرين الراغبين في اضاءة شمعة بدل أن يلعنوا الظلام.

 

واذا كنت قد سُعدت في ما رأته عيناي وندِمت عن عدم الالتحاق بمن اسعدوني، لسبب اضطراري حملني على التوجه الى بيروت باكرا، الا أن هذه السعادة كبرت بعض الشيء، وانا أمر بالقرب من "السراي" لأشاهد شجرة ميلاد مزينة ومضاءة تنتصب شامخة في باحتها الرئيسية.

 

عدت بذاكرتي الى سنوات قليلة مضت، يوم عُقِد العزم على وضع شجرة ميلادية على المستديرة المحاذية لـ "مستشفى النيني". وقد تم ذلك بالفعل. واقيم حفل بهذه المناسبة دُعيت اليه شخصيات طرابلسية وقفت أمام الشجرة وهي تبتسم لعدسات الكاميرا. لكن الفرحة هذه لم تدم طويلا. إذ عمد مجهولون، وتحت جنح الظلام، الى رمي مواد حارقة على الشجرة تمكنت من اتلاف قسم منها، فيما المقصود صراحة كان أبعد من ذلك بكثير. تشويه صورة العيش المشترك التي لطالما تغنت بها طرابلس حتى في خضم الحرب الأهلية التي عاشها لبنان على مدى سنوات، وتجسدت حينذاك بشبك أيدي كل من الرئيسين الراحلين سليمان فرنجية ورشيد كرامي اللذين أعادا الى الشمال أمنه واستقراره، والأهم روح التآلف والإخاء التي كانت سائدة بين ابنائه، والتي كان يضرب فيها المثل ويُشار الى طرابلس بالبنان على انها مدينة الوحدة الوطنية الصافية النابذة للطائفية والتعصب، رافعة لواء الولاء للدولة، الحريصة على عمل مؤسساتها وانتظامها، الحاضنة للجيش.. نعم حاضنة للجيش التي رفدته بكوكبة من مواطنيها من سائر المدن والبلدات في المحافظة حتى قيل ذات يوم أن عصب عديد الجيش نابع من الشمال.

 

طرابلس الوديعة هذه ارادوا تشويهها وردها الى الوراء. لا بل تسديد ضربة موجعة لها. وللأسف فالمتربصين شرا بها وُفقوا لحين وكادوا يمحونها من على الخارطة اللبنانية. ومن منا لا يذكر كيف شُبِهت بـ "قندهار" وكيف أضحى اسمها ملازما للرعب والفوضى والفلتان الأمني حتى باتت دعوة صديق لزيارتها بمثابة المغامرة في حياته.

 

أما بعد ايها الأعزاء.. ها نحن اجتزنا المحنة، وإن كانت آثارها لم تزل بعد، ان لم نقل باقية على حالها. ويكفي المرور في شارع "عزمي"، على سبيل المثال لا الحصر، والشوارع التجارية المجاورة، لتسمع باذنيك شكاوى أصحاب المتاجر والباعة وهم يندبون حظهم ويترحمون على ايام زمان، يوم كانت البحبوحة سائدة وحركة البيع والشراء نشطة الى ابعد الحدود خلافا لما هي عليه اليوم، بعد أن هجرنا جيراننا الذين أضحت لديهم أسواقهم لا بل الاكتفاء الذاتي.

 

لكن على الرغم من هذه الصورة القاتمة، وكي لا ابقى أسير الجو التشاؤمي، أسارع بالعودة الى صبيحة الأحد الماضي، حيث بدا المشهدان متممين لبعضهما. واحد يوحي بقرب "انتفاضة" حضارية تمهد لاسترداد ما هو حق لطرابلس من عناية ورعاية واهتمام على كافة الصعد. والثاني يأتي بالفرح الذي حُرمت منه لسنوات.

 

القصة بالتأكيد لا تتعلق بشجرة فحسب. بل بالرسالة التي تحملها، وهي تقف ثابتة تصارع الريح الصرصر ولا تنحني.

 

(عن "البيان" الطرابلسية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *