الموقف السياسي

  • في كواليس التأليف..

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2017/02/الانتشار.jpg

كان من المفترض أن أتناول في "حديث الأربعاء" لهذا الأسبوع موضوع الحكومة الجديدة، التي وُعدنا بتشكيلها خلال عشرة أيام بدءاً من الأسبوعين الماضيين، كما قال الرئيس المكلف وأخفق في الايفاء بوعده.

 

والحريري لم يكن وحده من أوحى بالتفاؤل والاعلان عن قرب ولادة الحكومة العتيدة. فقد سمعنا من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ما هو أكثر. إذ أعلن أمام مندوبي وسائل الاعلام المعتمدين في القصر الجمهوري خلال "تمشاية" له في حديقة القصر الجمهوري يوم الخميس الماضي أن ظهور الحكومة الجديدة بات قاب قوسين، مما يعني أن اعلانها قد يتم في أي لحظة، فيما كان الرئيس الحريري يصرح من "بيت الوسط" لا بل يجزم بأن التشكيلة أضحت جاهزة وسيزور الرئيس عون قبل نهاية الأسبوع على أبعد تقدير لزف بشرى الولادة الى اللبنانيين.

 

ما يعنيني في هذا الموضوع أنه وقبل الأجواء التفاؤلية كانت الأخبار في معظم وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقرؤة لا تحكي عن تفاؤل بل تفيد بأن التعثر هو الغالب في عملية تأليف الحكومة. وثمة من راح يستبعد الأمر كلياً وطلع علينا بكلام مفاده أن لا حكومة في الأشهر القليلة المقبلة.

 

كانت الساعة تقترب من التاسعة ليلا يوم الأربعاء الماضي. والتشاؤم اياه بشأن تشكيل الحكومة يطغى على ما عداه على الساحة السياسية. وحين هممت بالاستفسار من مصدر عالي المستوى عن آخر المستجدات على هذا الصعيد فوجئت بالجواب المقتضب الذي يقول أن عملية التأليف دخلت مرحلة ربع الساعة الأخير ليضيف متمنيا عليّ عدم طرح الأسئلة: "هناك رتوش بسيطة تجري في الوقت الراهن ومراسم التشكيل بدأت تطل برأسها".

 

مثل هكذا خبر يخالف ما هو قيد التداول. لا يمكن أن أقف مكتوف اليدين أمامه، وأنا الذي أدير موقعا اخباريا الكترونيا باسم "الانتشار". إذ سارعت الى نشر ما سمعته من المصدر "عالي المستوى" وتعميمه على وسائل الاعلام وقرّاء الموقع من وزراء ونواب وشخصيات سياسية واعلامية وثقافية.. الذين تلقفوه بدورهم وسارع بعضهم الى الاتصال بي للاستيضاح. وبدا كثيرون غير مقتنعين بما نشرت. ولم أستغرب ردة الفعل هذه، وهم الذين كانوا يرون السواد يخيم على عملية تأليف الحكومة المنتظرة. وهذه كانت حالتي أيضا قبل أن أتلقى انقلاب الصورة رأسا على عقب.

 

بموازاة ما نشرته في الموقع المذكور رحت أترقب وأرصد المواقف التي تعزز ما رميت اليه فجاءتني "النجدة" أو الدعم من رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي كان موجودا في جنيف، حيث وافاني الصديق طلال حاطوم عضو المجلس السياسي في "حركة أمل" ومسؤول الاعلام فيها بما علق عليه الأول، إثر تلقيه أنباء التطور الايجابي في مسار التأليف، إذ قال "الأمور بشأن الحكومة تتقدم".

 

لم تمضِ ساعات قليلة حتى تبدل المشهد كليا فتبخرت كلمة "تعثر" في عملية تشكيل الحكومة الى انفراج وتبشير بقرب الوصول الى النهاية السعيدة. وهكذا اطلت علينا الصحف صبيحة اليوم التالي تحمل في عناوينها الرئيسية ما يشير الى بدء العد العكسي لاطلالة "المولود" الجديد. وقد سبقتها الى ذلك محطات الاذاعة والتلفزيون والمواقع الاخبارية الالكترونية لتنشط معها بورصة الأسماء ونشر اللوائح المتعلقة بمن سيدخل "جنة الحكم". لكن وعلى حد قول الأشقاء المصريين "يا فرحة ما تمت". فها هي العراقيل تطل برأسها من جديد، لتطيح بالتوقعات والتصريحات التي كانت قد حددت موعدا للصورة التذكارية للحكومة الجديدة، يوم السبت أو الأحد الماضيين، مستبعدة بذلك "دخول الفول بالمكيول" على حد قول الرئيس بري الذي اعتمد على هذه العبارة أو بالأحرى على هذا المثل الشعبي، ليرسم من خلاله الخط البياني لمسار التأليف صعودا وهبوطا.

 

ما الذي حصل حتى عدنا الى نقطة البداية حتى لا نقول الصفر؟. أهي حقيبة "وزارة العدل" بالفعل، التي قيل أن حزب "القوات اللبنانية" وُعِد بها على لسان الرئيس المكلف سعد الحريري بعد أن تبلغ موافقة الرئيس عون بالتنازل عنها وهو ما ينفيه الأخير بالمطلق، أم أن في التعقيد والتعثر قطب مخفية أبعد من قضية حقيبة ظن المُطالب بها أنه حصل عليها ليتبين لاحقا أنها "طارت" من بين يديه؟.

 

من راقب المستجدات والتطورات  بعد الضربة الموجعة التي أصابت حركة تأليف الحكومة لاحظ أن الكلام عن استهداف واخفاق "العهد" عاد ليطفو على السطح. والقريبون من رئاسة الجمهورية باتوا على قناعة من هذا الأمر. وهذا مايفسر الرد العنيف الذي ورد في بيان وزير العدل سليم جريصاتي تعليقاً على حديث الرئيس فؤاد السنيورة الى صحيفة " الشرق الأوسط" السعودية والتي اتهم فيه رئيس الجمهورية بمخالفة الدستور. وهو اتهام من الخطورة بمكان لا بد أن يلقي بثقله على الواقع السياسي المأزوم أصلا والذي يُستبعد معه في الوقت الراهن أن نرى الفول قد أضحى بالمكيول!.

 

* توضيح لا بد منه: كتبت هذه المقالة صباح الاثنين الماضي من دون أن يُعرَف بالتحديد مصير التشكيلة الحكومية علما أن لبنان بلد المفاجآت حتى لا نقول العجائب بمعنى أننا قد نشهد ولادتها بين لحظة وأخرى ومع صدور "البيان" يوم الأربعاء. ققد سبق للرئيس تمام سلام حين كان مكلفا بتشكيل حكومته الأخيرة قبل حوالي أربع سنوات أن قال لي يوم الثلاثاء حينذاك بعد مرور عشرة أشهر وأكثر على التكيف، بأن لا حل في الأفق أمامه والأبواب موصدة بكاملها في وجهه الا أن الوضع يوم الخميس تبدل كليا وظهرت الأخبار العاجلة على وسائل الاعلام تفيد بأن المهمة أنجزت وولدت الحكومة السلامية.

 

(عن "البيان" الطرابلسية)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *