مقالات مختارة

  • منصات ''تنافر'' لا ''تواصل''/ منير عقيقي

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2016/12/IMG-20161207-WA0018-1.jpg
مدير تحرير مجلة الأمن العام العميد منير عقيقي

الأجدر بغالبية اللبنانيين أن يجمعوا ـ ولو لمرة واحدة ـ أن ما من شيء يشدهم بعضهم الى بعض أكثر من الخلافات والاختلافات. وما يجمعهم وإلى أبد الآبدين هو تناقضهم الجدلي الذي لا يكف عن استدعاء التواريخ الأهلية لجماعاتهم، وكذلك اعتماد موردي الأزمات ذاتهم لإذكاء حدة التناقضات الداخلية، والتي لولا العناية الآلهية وعدم وجود قرار دولي لكان انفجر البلد مجدداً كما هي حاله منذ العام 1958 حتى الساعة، وعلى العناوين والشعارات ذاتها والتي ما بدلوا فيها تبديلا. فهم يفاخرون بعضهم البعض بارتكابات هي عار علينا، وعلى الأخلاق والضمير والهوية الوطنية، وعلى أي وجه من الوجوه قاربناها.

 

حتى المنصات الالكترونية، وهي أحدث وسائل العصرنة والحداثة، والتي وجدت لتكون وسائل تواصل اجتماعي وفضاءً لتبادل الأفكار وقبول الآخر، تحوّلت عندنا للعودة إلى بدائيات والى ماضٍ لا يمضي، ولن يمضي، ما دامت العقليات على تحجّرها وتقوقعها الذهني القائم حاليا. فما من قضية او تحديا واجه لبنان ولاقى إجماعا او تقاطعا يخلقه الشعور الوطني بالمسؤولية. بل على العكس من ذلك تماما، إذ نرى أن اللبنانيين ينتظرون بتعطش مخيف، وبفارغ الصبر، أية قضية حتى ينقسموا حولها بداية، ثم ما يلبثون ان يعطفونها على ماضٍ ورثوه عن آبائهم وأجدادهم بكل ما فيه من التباسات ومآس. ولا يتورعون حتى عن استذكار الأهوال والويلات من باب التحدي والتحدي المُقابل، ومن دون أخذ العبر من التجارب والمحطات التاريخية التي استسهل فيها اللبنانيون العداء لبعضهم البعض، فكان ما كان.

 

فبكل أريحية وببساطة، تحوّل هذه الغالبية، والتي تسمي نفسها "جيوشا الكترونية"، وسائل التواصل الإجتماعي إلى منصات متقابلة وظيفتها بعث الكراهيات، والأحقاد الدفينة، فتصبح وسائل "تنافر" لا "تواصل"، غير آبهة بتبعات ما تُطلقه في الفضاء الإلكتروني، وينعكس على أرض الواقع، وعند الصغير قبل الكبير، توترا ومزيدا من الانقسامات التي راحت تُتخم البلد بما لا طاقة له على احتمالها. وما حصل مع النائبة السيدة رولى الطبش جارودي خيرُ مثل من أمثلة لا تُعد ولا تُحصى. والمُخيف فيها: انه باستثناء قلة متنورة استعصى عليها ضبط الفضاء الالكتروني، فإن جميع المتساجلين المتنافرين تحوّلوا بين ليلة وضُحاها إلى رجال دين، يلقون العظات يمنة ويُسرة، وذلك بدلاً من أن تكون مثل هكذا حادث عابر محطة لتأكيد ما يُزعم من "فرادة" لبنانية في العيش المشترك أو حتى العيش الواحد، والمصير الواحد.

 

ما لا يريد فهمه "المتنافرون"، حملة الأحقاد والكراهيات، أن لبنان لن يكون إلا بكل مكوناته الروحية والثقافية. وأن مستقبل لبنان هو في رفع مناعته الوطنية بإزاء ماض لم يجلب للبلد وأهله كلهم إلا الموت والمعوّقين والمفقودين والقتل والتهجير، ناهيك عن أن لبنان الذي كان رائدا بين أشقائه في ارتياد الحداثة والعصرنة، سقط في حضيض لا قعر مرئيا له إلى الآن، جراء عقلية "إبريق الزيت". وهذه المناعة لن تكون إلا بالاقرار بالممارسة وبنمط العيش بأن هذا البلد يحوي من الهويات الروحية والثقافية ما هو غنىً له، وأن الشتم والشتم المُقابل يحوّل هذه النعمة إلى نقمة.

 

الأنكى في كل هذا ، أنه وعلى الرغم من الأزمات التي تعصف بكل المكونات اللبنانية، يجد المغرّدون و"جيوشهم الالكترونية" (الحاقدة والموتورة)، الكثير للاندفاع في اطلاق المشاحنات والمهاترات على قاعدة تصنيفات مذهبية يقدمونها على معنى الوحدة الوطنية ولبنان الرسالة. وباستثناء "القلة" العقلانية التي لا حول لها ولا قوة، فإن الآخرين ينغمسون بـ"مناقرات" و"اتهامات"، بعضهم يريد منها "شهرة طائفية" أو "وجاهة مذهبية" ما يزيد من مساحة الاختلاف، ويُمعن في تفتيت القيم المشتركة التي، وان كان يجب ان تقوم على حرية الرأي، لا يعني ولوج الفوضى من دون تمييز بين الاثنين "الحرية" و "الفوضى". وبين الأمرين يصبح التمييز سهلاً بين "التنافر" و "التواصل".

 

*مجلة "الامن العام" عدد 65 شهر شباط 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *