الموقف السياسي

  • هيا الى السترات..

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2018/12/السترات-الصفر-احتجاجات-فرنسا-300x167.jpg

مسلسل تلفزيوني جديد دخل الى بيوتنا عبر شاشات التلفزة والمحطات الفضائية، لكنه يُعرض مرة كل أسبوع ويوم السبت تحديدا. وقد استحوذ على اهتمام الكثيرين عندنا حتى باتوا يترقبونه في الموعد المحدد ويتابعونه لساعات تبدأ من قبل الظهر حتى حلول الليل.

 

المسلسل المذكور، ليس تمثيليا، ولا نجوم مشهورون يشاركون فيه أو يتولون بطولته. لا بل ربما  يُعد الأكثر واقعية في هذه الأيام التي كَثُر فيها "المشخصاتية" والمصطنعون والمنافقون والكذابون والمزورون والذين "يضحكون على الذقون!".

 

اسم المسلسل، وهو فرنسي تحديدا، "السترات الصفر" وهي التي يرتديها أصحابها المتظاهرون الفرنسيون الذين يتوافدون للنزول الى "جادة الشانزليزيه" العريقة بعد اشراقة شمس يوم السبت من كل أسبوع، للتعبير عن غضبهم وامتعاضهم من رئيس جمهوريتهم ايمانويل ماكرون وحكومته اللذين رفعا سعر الوقود بعض "السنتات" التي تُقدر بحوالي ستة أو سبعة آلآف ليرة لبنانية لا غير، الأمر الذي اعتبروه كارثيا بالنسبة اليهم، والى موازنتهم التي يقيسونها بـ "الليبرة" ويدركون أن أي خلل في أرقامها يعني عدم تأمين احتياجاتهم وتوفير متطلباتهم وضبط انفاقهم اليومي الذي يلحظ التقشف مرات والملازم لذوي الدخل المحدود.

 

ها قد مضى ما يقارب الشهرين على عرض المسلسل المذكور، الذي يلقى رواجا ومتابعة لا من الفرنسيين فحسب، بل من مختلف دول العالم، خصوصا المتحضرة، وتلك التي تعاني من "ضيق ذات اليد" كحالنا في لبنان الذي بات ينام ويغفو على "نغمة" يتقنها الحكام فحواها أننا نمر بوضع اقتصادي صعب يقربنا من حافة الهاوية. وثمة من راح يلّوح باهتزاز الليرة مقابل الدولار. وهناك من لم يتورع عن التحذير والتخويف من تدهور أمني، الى ما هنالك من مفردات تصب كلها في دائرة بث أجواء القلق من الغد.

 

في المقابل، شاهدنا ونحن نتابع ما يجري في باريس وبعض ضواحيها من أعمال شغب وتحطيم محلات تجارية كبرى وسرقة محتوياتها، ناهيك عن تكسير الطرق والأرصفة وتخريب أبرز معالم فرنسا السياحية، كيف رحنا هنا في لبنان نتعاطى مع الأحداث الماثلة أمامنا على شاشات التلفزة التي تنقلها على الهواء مباشرة ولحظة بلحظة، بشيء من السخرية والسخافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي و"فيسبوك" و"واتساب" و"تويتر" أُحجم عن ذكر بعضها وأُبدي استيائي من كلمات وعبارات نابية استخدمت فيما الماثل أمامنا تعبيرعن معاناة الالاف من المواطنين الذين يكفيهم فخرا أن لا أحزاب ولا جهات سياسية حرّكتهم ودفعتهم على النزول الى الشارع، مرتدين زيا موحدا عبارة عن سترة صفراء "فوسفورية". لا يحملون في أيديهم سوى اللافتات والكتابات التي تحكي عن وجعهم، وان كان هناك من شوّه تحركهم بأعماله الغوغائية والبلطجية والاجرامية أيضا، كهؤلاء الذين أحرقوا سيارات رُكِنت بمحاذاة الأرصفة. ونهبوا ما طالته أيديهم من بضائع ومحتويات محلات اقتحموها عنوة وتجاهلوا أن العاملين فيها على الأقل، مثلهم يكدحون ليلا نهارا للحصول على قوتهم ويعانون العذاب اليومي في ركوب المواصلات لبلوغ مراكز أعمالهم البعيدة عن مساكنهم. ومن كان يستغني عن سيارته العتيقة لبلوغ هدفه تراه عدل عن استخدامها للتوفير بعد أن ارتفع سعر البنزين.

 

وللذين تغنوا برقي الفرنسيين وأبدوا اشمئزازهم مما وصفوه بـ "الزعرنة اللبنانية" عليهم أن يتمهلوا قليلا ويتأملوا ما حلّ بـ "الشانزليزيه" من خراب، يُذكّر بما اقترفته أيدي لبنانية، او ربما غريبة، في ساحة رياض الصلح التي نُزعت فيها الاشارات الضوئية وهُشِّمت واجهات محلات عدة إبان تحرك "المجتمع المدني" في عهد حكومة الرئيس تمام سلام بصورة خاصة، وبعده في الأيام الاولى لحكومة خلفه الرئيس سعد الحريري. حتى أن الأخير قُذِف بزجاجات المياه الفارغة، يوم نزل للتحاور مع المتظاهرين.

 

ما عنيته في ما سبق ليس الانتقاص من حركة "السترات الصفر" الفرنسية وحراك "المجتمع المدني" عندنا، لا بالعكس فأنا ممن آزروا الفريق الأخير في كتاباتي. آخرها ما تضمنه "حديث الأريعاء" في الأسبوع الماضي من تنويه بالاعتصام والنظام اللذين شهدتهما "ساحة عبد الحميد كرامي"، المسماة "ساحة النور" حاليا صباح الأحد ما قبل الفائت واعتبرتها انموذجا صالحا للتعميم، حيث كان الانضباط سائدا فيما نوعية المشاركين، وبينهم أصحاب المهن الحرة والموظفون والعمال والأطباء والمحامون والعاطلون عن العمل والتجار، تشكل نواة صالحة لتجمع أكبر خالٍ من أي صبغة سياسية متحرر من أي وصاية على أمل أن يحافظ على استمراريته ويتوسع ويبقى محافظا على النمط الذي ظهر به يوم الأحد قبل الماضي.

 

(عن "البيان" الطرابلسة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *