مقالات مختارة

  • يبقى المسؤول قوياً.. إلى أن يطلب أمراً لنفسه/ رفعت البدوي

http://www.alintichar.com/wp-content/uploads/2018/10/رفعت-البدوي.jpg

بدون مقدمات وبدون خطابات، وبدون تفسيرات لمبادرات لا تسمن ولا تغني عن الاستمرار بتوزيع التهم للتنصل من المسؤولية عن حال المناطحة التي يشهدها الوطن، جراء تناتش الحصص والمكاسب التي أوصلتنا الى هذا المصاب من الترهل في جسد لبنان ونظامه السياسي، بات لزاماً علينا أن نقرّ ونعترف أمام الله وأمام التاريخ والأجيال المهاجرة بأننا فشلنا في الحفاظ على لبنان، بكل ما تعني كلمة الفشل من معانٍ مؤلمة.

 

نعم، نحن فشلنا في الحفاظ على لبنان الدولة والمؤسسات، لبنان النظام والقانون. فشلنا في الحفاظ على لبنان وطن الحريات والكرامات، والعيش المشترك وتنوع الأديان. فشلنا في الحفاظ على لبنان درّة الشرق وبلد الابداع والإنجازات. فشلنا في تفسير الانتماء الوطني، وفي تطبيق سليم وحقيقي لمعنى الوحدة الوطنية.

 

فشلنا في تحقيق ابسط قواعد العيش الكريم للمواطن. فشلنا في مواجهة الاعاصير والكوارث الطبيعية. فشلنا في تأمين البنى التحتية، فتُركت الطرقات والمواصلات والأنفاق والجسور بدون صيانة، وبلا أي اهتمام. فشلنا في معالجة مشكلة تصريف مياه الشتاء. فشلنا في تأمين مياه الشفة الصالحة بعد أن تم استبدالها بمياه المجارير الآسنة. فشلنا في تامين التيار الكهربائي وشبكة الاتصالات، كسائر بلدان العالم ومجاهل غابات أفريقيا التي اهتدت للكهرباء وأمّنت شبكات للاتصالات عالية الفعالية. فشلنا في طمر النفايات حتى صارت النفايات تلالاً تطمر الشوارع والاحراج والشواطئ، وحتى البحر. فشلنا في تأمين المواصلات. فشلنا في تأمين الرعاية الصحية، وصار المواطن متروكاً لمصيره مهدداً بالموت على أبواب المستشفيات لأنه لا يملك المال اللازم.

 

فشلنا في الاتفاق على كتاب موحد لتاريخ لبنان. وبدل الاعتبار من أهوال حرب ضروس دفع لبنان ثمنها غالياً نعود اليوم لارتكاب نفس الأخطاء، بل والتوغل في تسعير الممارسة الطائفية والمذهبية التي فشلنا في نبذها والاحتياط من أهوالها.

 

فشلنا في اعتماد قانون انتخابي يؤمن الانتماء الوطني ويحفظ الوحدة الوطنية، ولجأنا الى اعتماد قانون انتخابي طائفي ـ مذهبي بامتياز، يضمن توسيع الهوة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد. وبدل السعي لتحقيق مصلحة الوطن والحفاظ على حصة الوطن ـ كل الوطن ـ صارت المصلحة الوطنية مصالح شخصية، وصارت حصة الوطن حصصاً فردية وحزبية.

 

فشلنا في اعتماد قاعدة لتأليف الحكومات، ونسينا كيف تكون الحكومات المنتجة بعد أن أضحى تشكيل الحكومة عبارة عن حصص وزارية وازنة مدرارة للمال، متخصصة في تمرير تلزيمات ومناقصات مشبوهة وبالتراضي. وبدل ايلاء اصحاب الكفاءات فرصة للنهوض والعمل، صار تشكيل الحكومة في لبنان عبارة عن تكتل توافقي للأحزاب والنواب، فغاب مبدأ والموالاة والمعارضة وتعطّلت المحاسبة، وصار الكل مشاركاً في الفساد المستشري في البلاد وبين العباد.

 

لا غلو في القول اننا فشلنا في انتخاب نواب الامة، وذهبنا لانتخاب الطائفة او المذهب، فكانت النتائج الكارثية في المزيد من الفرز الطائفي والمذهبي، وأضعنا معنى الوطن ومعنى الوحدة الوطنية. فشلنا في الحد من هجرة شبابنا وأجيالنا وناسنا، وصار الشباب اللبناني وعقله المنتج عبارة عن سلعة تُستثمر وتُباع للخارج فيستفيد منها الأجنبي، فيما الوطن يخسر العقول المنتجة الخلّاقة والمبدعة من شبابنا وأجيالنا.

 

نعم فشلنا.. الكل يمارس فشله عن سابق تصور وتصميم لإبقاء الوطن ممزقاً مشتتاً، شيمته التناحر والتناطح لتأمين حصص الطوائف والمذاهب، فيما صار الوطن عبارة عن أغنية يتم تردادها.

 

من نافل القول ان الفشل سببه جهة بعينها، لأن معظم المسؤولين، من حزبيين وسياسيين وزراء ونواب، أضحوا سبباً رئيسياً في استمرار الفشل الذي يواجه الوطن على مختلف الصعد.

 

تراوح أزمة تشكيل الحكومة مكانها بعد زهاء ثمانية أشهر على التكليف، من دون أن يلوح في الأفق ما يبشّر الى قرب ولادتها، في ظلّ تقاذف كرة المسؤولية عن التعطيل بين مختلف الفرقاء، في الداخل والخارج، واعتكاف رئيس الحكومة المكلّف نفسه!

 

ضاعت المسؤولية عن تأخّر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتقدّم السؤال الذي صار على كل لسان: هل السبب في تأخير تشكيل الحكومة هو تناتش المراكز الوزارية؟ أم أن هناك أطرافاً سياسية داخلية تخاطب وتمالق وتأتمر بأوامر خارجية، معطلة تشكيل الحكومة بانتظار اتمام صفقات إقليمية أو محلية على حساب الوطن والمواطن؟

 

صار لبنان أسيراً مقبوضاً على حصته، أما قراره الحر فأضحى محجوزاً وصار رهينة عملية مقايضة رخيصة تتقصدها وتنفذها جهات سياسية، ولأسباب باتت معروفة، فحوّلوا الوطن الى مغانم وصفقات وحصص، وضاعت معها انجازات وطنية وتاريخية، وتضحيات كبيره عظيمة كتبت عنها الصحف العالمية ودرّست في الجامعات والمعاهد، وترفع القبعة تقديراً واحتراماً لمسيرة النضال الكبرى لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

 

وبدلاً من استثمار هذا الارث التاريخي العظيم للرئيس عون، ليكون مثالاً أعلى للأجيال، يتحصن به الوطن، عبر ترجمة تلك الانجازات الوطنية التاريخية الكبرى، تماماً كما حصل في تفاهم كنيسة مار مخايل 2006 الذي دخل التاريخ وشكل مفهوماً حقيقياً للوحدة الوطنية الحقيقية، إلا اننا وبعد ثمانية أشهر على التكليف لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أُصبنا بالصدمة، خصوصاً حين عمد "ذوو القربى" مع سبق الاصرار الى تقزيم كل الانجازات الوطنية الكبرى وحصرها بحصة وزارية او بمقعد وزاري. وبناء عليه تم احتكار وتجيير كل الانجازات الوطنية الكبرى لصالح شخصيات بعينها، وذلك طمعاً بالسلطة، وزيادة في مكتسبات تيارات وأحزاب وطوائف ومذاهب بعينها.

 

ان لبنان القوي لا يمكنه تحقيق القوة عن طريق الحصص الوزارية، أو عن طريق المكتسبات الطائفية الواهية. بل ان لبنان يمكن أن يكون قوياً بتحقيق الوحدة الوطنية التي تتطلب التضحيات والتنازلات، والترفع عن الحصص، ومع رئيس متعفف عن الحصص.

 

لكن ظلم ذوي القربى اشد مضاضة على الانجازات من وقع السهام المهند…

 

أصاب الرئيس سليم الحص، اطال الله في عمره، في مقولته التاريخية الشهيرة:

 

"يبقى المسؤول قوياً، إلى أن يطلب أمراً لنفسه".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *